أبي حيان الأندلسي
157
البحر المحيط في التفسير
البحر ، فيقال له في ترك الطريق ، فيقول : هكذا أمرت . فلما أصبح ، علم فرعون بسري موسى ببني إسرائيل ، فخرج في أثرهم ، وبعث إلى مدائن مصر ليحلقه العساكر . وذكروا أعدادا في أتباع فرعون وفي بني إسرائيل ، اللّه أعلم بصحة ذلك . إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ : أي قال إن هؤلاء وصفهم بالقلة ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب قليلا ، جمع السلامة الذي هو للقلة ، وقد يجمع القليل على أقلة وقلل ، والظاهر تقليل العدد . قال الزمخشري : ويجوز أن يريد بالقلة : الذلة والقماءة ، ولا يريد قلة العدد ، والمعنى : أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا تتوقع غفلتهم ، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا ، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور ، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم يساره ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن ، لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه . انتهى . قال أبو حاتم : وقرأ من لا يؤخذ عنه : لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وليست هذه موقوفة . انتهى . يعني أن هذه القراءة ليست موقوفة على أحد رواها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : لَغائِظُونَ : أي بخلافهم وأخذهم الأموال حين استعاروها ولم يردوها ، وخرجوا هاربين . وقرأ الكوفيون ، وابن ذكوان ، وزيد بن علي : حاذِرُونَ ، بالألف ، وهو الذي قد أخذ يحذر ويجدد حذره ، وحذر متعد . قال تعالى : يَحْذَرُ الْآخِرَةَ « 1 » . وقال العباس بن مرداس : وإني حاذر أنمي سلاحي * إلى أوصال ذيال صنيع وقرأ باقي السبعة : بغير ألف وهو المتيقظ . وقال الزجاج : مؤدون ، أي ذوو أدوات وسلاح ، أي متسلحين . وقيل : حذرون في الحال ، وحاذرون في المآل . وقال الفراء : الحاذر : الخائف ما يرى ، والحذر : المخلوق حذرا . وقال أبو عبيدة : رجل حذر وحذر وحاذر بمعنى واحد . وذهب سيبويه إلى أن حذرا يكون للمبالغة ، وأنه يعمل كما يعمل حاذر ، فينصب المفعول به ، وأنشد : حذر أمورا لا تضير وآمن * ما ليس منجيه من الأقدار وقد نوزع في ذلك بما هو مذكور في كتب النحو . وعن الفراء أيضا ، والكسائي : رجل حذر ، إذا كان الحذر في خلقته ، فهو متيقظ منتبه . وقرأ سميط بن عجلان ، وابن أبي
--> ( 1 ) سورة الزمر : 39 / 9 .